الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

23

الأخلاق في القرآن

الإنسانية ، بحيث يجذب الروح نحوه تدريجياً ، وبالتّكرار سوف يتكرّس ذلك الفعل في باطن الإنسان ، ويتحول إلى كيفيّةٍ تسمى : ( بالعادة ) ، وإذا استمرت تلك العادة تحوّلت إلى ( مَلَكَةٍ ) . وعلى هذا ، وبما أنّ المَلَكات والعادات الأخلاقيّة السّيئة ، تنشأ من تكرار العمل ، فإنّه يمكن مُحاربتها بواسطة نفس الطّريقة ، طبعاً لا يمكننا أن ننكر تأثير التّعليم الصّحيح والمحيط السّالم ، في إيجاد المَلَكات الحَسنة ، والأخلاق الصّالحة ، في واقع الإنسان وروحه . وهناك « قولٌ ثالثٌ » ، : وهو أنّ بعض الصّفات الأخلاقيّة قابلةٌ لِلتغير ، وبعضها غير قابل ، فالصّفات الطّبيعيّة والفطريّة غير قابلةٍ لِلتغير ، ولكنّ الصّفات التي تتأثّر بالعوامل الخارجيّة يمكن تغييرها « 1 » . وهذا القول لا دليل عليه ، لأنّ التّفصيل بين هذهِ الصّفات ، مدعاة لقبول مَقولة الأخلاق الفطريّة والطبيعيّة ، والحال أنّه لم يثبت ذلك ، وعلى فرض ثُبوته ، فمن قال بأنّ الصّفات الفطريّة غير قابلةٍ لِلتغيّر والتّبدّل ؟ . ألم يتمكن الإنسان من تغيير طِباع الحيوانات البريّة ؟ . ألا يمكن لِلتربية والتّعليم ، أن تَتَجذّر في أعماق الإنسان وتغيّره ؟ . الآيات والرّوايات التي يستدل بها ، على إمكانيّة تغيّر الأخلاق : ما ذكرناه آنفاً كان على مستوى الأدلة العقليّة والتّأريخيّة ، وعند رجوعنا للأدلة النّقلية ، يعني ما وصل إلينا من مبدأ الوحي وأحاديث المعصومين عليهم السلام ، سوف تتبيّن لنا المسألة من خلاله بصورةٍ أفضل لأنّه : 1 - إنّ الهدف من بعث الأنبياء والرّسل وإنزال الكتب السّماوية ، إنّما هو لأجل تربية وهداية الإنسان ، وهذا أقوى دليل على إمكان التربية ، وترشيد الفضائل الأخلاقيّة لدى جميع أفراد البشر ، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ

--> ( 1 ) . أيّد هذه النظريّة المحقق النّراقي في كتابه جامع السعادات : ج 1 ، ص 24 .